الخطيب الشربيني

619

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وَلِساناً يترجم به عن ضمائره وَشَفَتَيْنِ يستر بهما فاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك . قال قتادة : نعم الله تعالى عليه متظاهرة فيقررّه بها كي يشكره . قال البغوي : وجاء في الحديث أن الله تعالى يقول : « يا ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق ، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق ، وإن نازعك فرجك إلى بعض ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق » « 1 » . وَهَدَيْناهُ ، أي : آتيناه من العقل النَّجْدَيْنِ قال أكثر المفسرين : بيّنا له طريق الخير والشر والهدى والضلال والحق والباطل كقوله تعالى : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [ الإنسان : 3 ] وصار بما جعلناه له من ذلك سميعا بصيرا عالما ، فصار موضعا للتكليف . روى الطبراني أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإنّ ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى ، يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شرّ فلم جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير » « 2 » . قال المنذري : النجد هنا الطريق . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بيّنا له الثديين ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك ، وأصله المكان المرتفع . فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ، أي : فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة من فك الرقاب وإطعام المساكين والأيتام بل غمط النعم وكفر بالمنعم . والمعنى : أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضي النافع عند الله تعالى ، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخر وعداوة النبي صلى اللّه عليه وسلم فيكون على هذا الوجه كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ [ آل عمران : 117 ] الآية . وقيل : معناه لم يقتحمها ولا جاوزها والاقتحام الدخول في الأمر الشديد ، وذكر العقبة مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البرّ فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة يقول الله تعالى لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام ، وهذا معنى قول قتادة وقيل : إنه شبه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة ، فإذا أعتق رقبة وأطعم المساكين كان كمن اقتحم العقبة وجاوزها وروي عن ابن عمر أنّ هذه العقبة جبل في جهنم ، وقال الحسن : هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله تعالى ومجاهدة النفس . وقال مجاهد : هي الصراط يضرب على متن جهنم كحد السيف مسيرة ثلاثة آلاف سنة صعودا وهبوطا واستواء ، وإنّ بجنبيه كلاليب وخطاطيف كأنها شوك السعدان ، فناج مسلم وناج مخدوش ، ومكردس في النار منكوس ، وفي الناس من يمرّ كالريح العاصف ، ومنهم من يمرّ كالرجل يعدو ، ومنهم من يمرّ كالرجل يسير ، ومنهم من يزحف زحفا ، ومنهم الزالون ، ومنهم من يكردس في النار . وقال ابن زيد : فهلا سلك طريق النجاة . وقوله تعالى : وَما أَدْراكَ ، أي : أعلمك أيها السامع لكلامنا الراغب فيما عندنا مَا الْعَقَبَةُ تعظيم لشأنها والجملة اعتراض قال سفيان بن عيينة : كل شيء قال فيه وَما أَدْراكَ فإنه أخبر به ، وما كان قال : وَما يُدْرِيكَ * فإنه لم يخبر به .

--> ( 1 ) انظر البغوي في تفسيره 5 / 255 . ( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 445 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 256 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 2 / 49 ، 4 / 169 .